عرض مشاركة واحدة
قديم 09-09-2008, 06:39 AM   رقم المشاركة : 1
فريق الاشراف
 
الصورة الرمزية محمد القباني






محمد القباني غير متصل

محمد القباني is on a distinguished road


 

تقاليد الحرب عند أبناء الصحراء

قبل أن نتحدث عن الطرق التي يتبعونها في ساحة القتال والحيل التي يلجأون إليها والخطط التي يمارسونها لابد لنا أولاً أن نتحدث عن أنواع المعارك وتسميات الجيوش فقد نقل ابن عقيل عن العزاوي في نصه عن السلم والحرب تفصيلاً حول جماعات الغزو تقسيماً وتسمية حسب أعدادهم كما يلي:
1- الركب: ويقال للعشرين فما دون.
قال شليويح:

ما شوقه ركبن حري بالأطلاب=مع درب ركبن جل ذودن غرابه


2- الجمعة: جيش على ذلول وهم مائة إلى ألفين.
قال راكان بن حثلين:

الجمع قلّط يم سوق المباعة=والبل تعقّل والجماعة يحلّون


3- السربة: مثل الركب إلا أن أصحابها فوارس يركبون الخيل دون الإبل وأقول أن السرية أكثر من الركب بكثير كما قال عبيد الرشيد:

ناتي مع أول سربة وقم الألفين=كن الشهر به ديدحان المسايل


4- اللواء: ويقال له البيرق وهذا للرؤساء يقودون الألوف.
5- الراكضة: وهي في مقام الجمعة من الخيالة من مائة إلى ألفين.
ويسمى بالجمع ما كان (ألفاً) أو نحوه وفي المثل ( يامحورب حورب) قال: (تلاقت الجموع)
يقول راكان:

في عينه اليمنى جموع وقوفي=وفي عينه اليسرى ثمانين خيال


وذكر موزل من الإصطلاحات (المناخ) للحرب الكبيرة و (الجيش) لغارة عشرين رجلاً فأكثر على الجمال و (الغزوة) لركب مكون من خيل وجيش وذكر أن قائد الغزوة يسمى عقيداً وليس ضرورياً أن يكون هو شيخ القبيلة .
قال ابن بليهد: سمي الإجتماع للحرب مناخاً من أناخة الإبل يومين أو ثلاثة في مراحها وقت المعارك خشية عليها أن تؤخذ .
وذكر منديل الفهيد جماعات الغزو فقال: "لها أسماء معروفة و منوعة (الغزو) لكثرتهم و (المجراد) أكثر يكون عام و (السراب) هم الذين على خيل ما معهم جيش إذا كانوا ما هم بعيدين عن بعضهم..".
بعد هذا الإستعراض لأنواع المعارك ومسميات الجيوش حسب أعدادها وعتادها نقف عند بيت لأحد الشعراء يختصر كل ما سبق في بيت واحد فيفند معارك الصحراء إلى نوعين أساسيين حيث قال تركي بن حميد:

لي لابة ٍ تشلع مع السن سنا=إن كان بالغارات وإلا الطوابير


النوع الأول: الغارات: والتي تكون عادة بقصد الحصول على الغنائم وذات أعداد محدودة وقد تتشكل من ركب أو سربة ولا يكون هناك إنذار للفريق الآخر أو موعد للمحدد بل إنها تتخذ طابع المباغتة فيحرصون على أن لا يستنذر بهم الأعداء قدر الإمكان.
النوع الثاني: الطوابير: ويقصد المواجهة الحربية الشاملة أو الحروب الحاسمة التي تستنفر فيها القوات ولا تبنى على المطامع المادية وإنما لها أسباب أخرى عديدة وهذه يكون فيها نوع من الإستعداد والتحدي والإنذار المسبق الذي على ضوئه يتحدد زمان ومكان المعركة .
ولاشك أن لكل نوع من هذه المعارك أسلوبه وطريقته الخاصة فأما الغارات فسنذكر أحد النماذج التي صورت إحدى الغارات منذ بدايتها قال الشاعر قاسي بن عضيب:

هم طالع البال من طويل المراقيب=بوش مجاهيم وعقر تلوحي
هم حذفوا فوق الأشدة الأساليب=ثم قيل هيا يا زماميل روحي
هم انطلق سرحيها مع لهابيب=قحص المهار وكل غوج لدوحي


فمن خلال الأبيات الثلاثة السابقة نستطيع أن نكتشف الأسلوب الحربي المتبع عند الغارات في ذلك الوقت من ذلك:
1- دور (السبر) المؤثر في تحديد الموقف قبل المعركة وقد سبق الحديث عنه.
2- أنهم قد يحاربون عراة متجردين من ملابسهم إلا ما يستر عوراتهم وقد ذكر ذلك الزركلي و أوضح أنهم يعتقدون أن الرصاص لا يقتل الإنسان إذا دخل جسمه ولكن الرصاصة إذا أصابته وكان عليه ثوب أدخلت معها قطعة من ثوبه في جسده فإذا أُخرجت بقيت القطعة الملتهبة من الثوب فتتعفن وتمرض ثم تقتله وهم يعتبرون تجردهم من الملابس شجاعة وبسالة كما قال الشاعر:

وأنهزمنا وكل ٍ جادع ٍ ثوبه=محتسين الشجاعة بالخلا الخالي


ويقول علوش بن مذكر بن عضيب:

آلاد روق لا اعتلوا كل مزعاف=جردان ما يبغون لبس الهدومي


3- مرافقة الزماميل للغزو جمع زمّال والزمّال كما ذكر الشيخ البليهد يكون مع الغزية التي معها خيل وهو على راحلته ومعه استعداده لما بقيت الفرس من حشيش وماء ومنه بيت ابن سبيل:

أو تل حصن مسرب القيض بحلول=كثح النجوم وفاختوه الزماميل


ويقول رشيد بن طوعان:

حر شهر بس الزماميل والخيل=يدور صيداته بغرات الاجناب


وأوضح أبوعبدالرحمن بن عقيل أنه أكثر ما يكون الزمّال مملوكاً أو قريباً واستشهد بقول مخلد القثامي:

وشيخ ٍ يتل الخيل زينات الأيال=يبرى لها ( ... ) كبار الهوامي


ومن خلال أبيات قاسي بن عضيب نجد أن هناك أمراً لهؤلاء الزماميل بالذهاب أي الإبتعاد عن ميدان المعركة وربما يضرب لهم موعداً محدداً وزماناً كما أنه يعطي دلالة لعدم مشاركة هؤلاء الزماميل في القتال.
وطالما أننا أوضحنا معنى مصطلح الزمال فلابد لنا من توضيح مصطلح آخر مقارب هو استجناب الخيل ومعنى استجناب الخيل: أن تكون الخيل معهم يقودونها بجانبهم وقد ركبوا المطايا لأنها لا تحتمل الركوب للمسافات الطويلة وقال أبوعبدالرحمن بن عقيل أنه يعني جري الفرس بجانب الجمل وقد ربطت به وأوضح أن الخيول إنما تستعمل في الغارات القصيرة أما الحروب الكبيرة في المسافات البعيدة فيستعمل فيها الإبل .
وهم يستجنبونها لقصد الإغارة على الأعداء أو محاربتهم يقول نمر بن حلاف الظفيري:

ياسابقي تزها جديد اللواليح=يازينها وزن المطية تقادي


وللشيخ ساجر الرفدي:

من فوق الأنضا ما بغوا واصلينه=مستجنبين قرح الخيل وأمهار


وقد يكون استجنابها أثناء ترحال القبيلة أو ما يسمى ب (الشديد) فيسبق الرجال ذوات الأحمال التي تحمل نساؤهم وعيالهم وأثاثهم ويسمونها (المظاهير) متقدمين عليها بمسافة معينة حماية لها ويسمون في هذه الحالة (السلف) يدل على ذلك قول ساجر الرفدي:

يا محلي المسلاف بأول ظعتها=مستجنبين الخيل يبرا لهن خور


ومنه ما سبق أن أوضحناه من أن الإبل في المراعي البعيدة لابد أن يرافقها بعض الفرسان الذين يسمونهم (جنب) فيستجنبون خيلهم معهم قالت الشاعرة:

الذود عنده واحد ٍ جانب ٍ فيه=خيّال حامي فاطره من خطرها
مستجنبن مثل الوضيحي تباريه=طويلة السمحوق شبر ٍ ظهرها


4- الإنطلاق على الخيل لإحتواء الغنائم (الإبل) فإما أن تكون لقمة سائغة إذا كانوا أهلها في غفلة وهذا أمر نادر وأما أن يكون دونها (خرط القتاد) عندئذ تبدأ المعركة والنصر بيد الله .
ومن المعلومات المهمة أيضاً أن الفارس (الخيال) قد يستعمل في قتاله مع الأعداء السيف والرمح وما شابهها وكذلك يستعمل البندقية رغم صعوبة التحكم فيها أثناء القتال يقول سيف الحكرة:

يوم قسمهم صليبين جيناهم صليب=ما تثور البندق إلا عقب ما تلمس قناه


ومن ذلك ما ذكره ابن بليهد عن أحد فرسان البادية الذي كان إذا سمع الصايح قال لشيخ القبيلة: أعطني السيف والعبية أو البندقية والكحيلة طلب السيف والعبية لأنها فرس سابق تلحق ولا تلحق وطلب البندقية مع الكحيلة لأنها وائية فإذا أدركته الخيل رماهم .
وذكر موزل: أنهم يفضلون الإغارة ليلاً لاسيما ليلة (السر) وهي ليلة استمرار القوة كما أن أنسب الفصول للحرب فصل الشتاء للأمن من العطش ولوجود الكلأ ولهذا فهذا الفصل مصدر خوف كبير .
وقال الدكتور الخويطر في مقدمته لكتاب ابراهيم اليوسف قصة وأبيات: "فالحياة الحربية التي يمارسونها ممارسة منتظمة والسلب والنهب الذي تعودوا عليه وتكرار حدوثه جعلهم يصلون إلى شيء من التنظيم والترتيب" ثم قال: "ينظمون أنفسهم عند الغارة رغم قلة عددهم إلى فريقين رئيسين فريق ينهب الإبل مثلاً والفريق الثاني يحميه وهو ترتيب أثبت جدواه والأحذق في الجلاد هو في الغالب الذي يتصدى للحماية" .
وقال منديل " سلاحهم السيف والرمح على الخيل والرجلي مائة مفعول كما أنهم يجعلون منهم ناساً يسمونهم الكمي وأحد ٍ يسميهم الصابور تزبنهم خيل ربعهم يحمونها وكما أنهم يظهر فيهم فرّيس على الخيل بالسمعة الطيبة والفعل والمعركة أحياناً تطول النهار ثم المغلوب ينهزم بنفسه ويقول لفرسه وهو ينخاها أن تهزمه - العمر ياشامان - كلمة دارجة" .
وكثيراً من هذه الغارات ليس هدفها القتل أو التراث والثارات بل هو الكسب ولاشيء غيره ولذا فلا يمكن أن يقتلوا أحداً ما لم يقاومهم بشراسة ويحول بينهم وبين الغنائم وقال الدكتور الخويطر في مقدمته لكتاب ابراهيم اليوسف قصة وأبيات: "يقدرون الشجاع ولو كان من أعدائهم فهم يحاولون ألا يقتلوه إذا أمكنهم ذلك لأنه ثمين بالنسبة لمجتمع الصحراء وله قيمة وقدر لا تقبل أنفسهم أن يعطبوه ما لم يضطروا إلى ذلك وهذا الشعور والتصرف يكون بسبب توفير الفريقين" .
وأوضح سليمان الدخيل أنه ليس لأهل جزيرة العرب عموماً قواعد خصوصية تتعلق بترتيب جنودهم بل تختلف بإختلاف قوى الامارات وضعفها فإذا كانت الامارة ضعيفة كانت حروبها أشبه بغارات الأعراب وإذا كانت قوية كانت أوسع تنظيماً وأقوى مراساً للمصابرة والمهاجمة والمقارعة والمحاصرة وفي كلتا الحالتين ترى فيهم من الإستعداد الطبيعي للقتال والمناجزة والفنون الحربية والشجاعة الغريزية قلما تشاهد نظيره في غيرهم وأسباب ذلك جمة منها: المزاولة والإعتياد ثانياً: النشأة والمربى .
ويوضح الدخيل ما يلي:
1- أن الكمين يلازم الأرض لاطئاً بها منبطحاً عليها بحيث يرى ولا يرى.
2- أنه إذا ما تزعزع القلب والجناحان وأوجسا ضعفاً تراجعوا إستدرجاً للعدو حتى إذا أصبح قاب قوسين أو أدنى ضربه الكمين بالرصاص وكذلك يفعل كمين العدو .
3- أن الخيل تقسم أقساماً ولا تهجم كلها دفعة واحدة واسلوب الفرسان معروف يتراوح بين الكر والفر والإقبال والإدبار حسب ظروف المعركة كما قال الشاعر:

صابورنا ياطا على حوض الادراك=وخيل ٍ مكامين ٍ وخيل ٍ مغيرة


والخيل المغيرة عادة تهجم على دفعات تسمى (كراديس) ومفردها (كردوس) يقول التويجر:

ما فرجت له يوم جنه كراديس=من طب للمرمى يضيع نظرها


4- الجند الذين خلف القلب والجناحات يكاد يكون مخالطاً لهما مشتغلاً بما تتطلبه المعركة وهدفه الرئيسي هو المساندة فإذا ضعفت قوة جهة من الجهات انحاز من الكمين اليها .
5- الكمين الأخير فهو بمثابة سور لئلا يأتي العدو من الخلف وهو أيضاً قوة أخرى إذا استلزم الأمر مساندته للجند .
6- أن الخيل الكامنة على الجانبين مهمتها الهجوم عند انكسار العدو من الجانبين يميناً وشمالاً وذلك لأن كمين العدو سيمنع الفرسان الآخرين من تتبع فرسانهم أو اللحاق بهم .
7- أن قائد الجيش وحاشيته يكونون في موطن يمكنهم من أن يشرفوا على العدو ويعطوا الأوامر للمتحاربين ويسددوا الثغرات ويدعموا الجيش بالتوجيهات ويلحظوا مواطن الضعف في العدو ويكتشفوا خدع العدو ويبث العيون لتحسس قوى العدو حتى إذا آنس منه ضعفاً هجم عليه .
إذن فالأمير لا يدخل إلا اذا اشتد الأمر وهذا مصداقاً لقول البادية "لا مات شيخ القوم طفيت نارهم" فهم يذخرونه للشدائد حتى لا تتزعزع عزائمهم وتتضعضع قوتهم لأن مقتله يعد خسارة لا تعوض خاصة في ميدان المعركة يقول راكان بن حثلين:

ومر يكفوني مذاريب ربعي=وأتاجر بنفسي وأتنومس بجودها
إلا إلى شفنا عليهم هزيعة=من دونهم حمر المنايا نذودها
عسى جواد ما تعرج يصيبها=شبا مطرق يقطع ملاقي عضودها
وأنا ذخيرتهم اليا دبرت بهم=شعث النواصي والنشامى شهودها


بعد استعراضنا لطريقة الحرب في (الغارات) وتنظيمها في (الطوابير) لابد لنا من إلقاء الضوء على بعض المصطلحات التكتيكية والحيل الحربية ولعل من أهمها عندهم ما يسمى (الطراد) .
والطراد: هو الإسم الذي يطلق على القتال الفعلي ويعني تطارد الخيل ومناوشة الفرسان لبعضهم البعض بالسيوف والرماح والكر والفر في ميدان المعركة قال خلف الأذن:

على طراد الضد يارميح قاسين=ومكللين سيوفهم بالهوامي


وهم يحرصون أشد الحرص إن تمكنوا من تحديد موقع المعركة واختيار مكانها أن يكون هناك مجالاً كافياً يشكل ساحة مفتوحة تتيح للخيل أن تتحرك بحرية تامة عند انطلاقها وتطاردها وتعطي الفرسان فرصة للتصرف والكر والفر وهذه الساحة (ميدان الطراد) أشبه ما يكون بمدرج الطائرات اليوم وهذه عادة قديمة درجت عليها العرب منذ الجاهلية لأن الخيل هي عماد المعركة ومرجح موازينها فهذا دريد بن الصمة يخبره قومه عند استعدادهم لإحدى المعارك وهو قد هرم وشاخ بنزولهم في أحد الأودية فيقول: "نعم مجال الخيل ليس بالحزن الضرس ولا السهل الدهس" .
وقد أوجز أحد شعرائهم بعض التكتيكات في قوله:

صابورنا ياطا على حوض الادراك=وخيل ٍ مكامين ٍ وخيل ٍ مغيرة


فالصابور من مصطلحات التكتيك الحربي وكذلك الكمي وأيضاً المركي وهذه المصطلحات الثلاثة تشترك في المفهوم وتختلف في الإتجاه وكثيراً ما يطلق اسم أحدها ليعبر عن الآخرين وحتى عند سؤالنا لكبار السن لم نجد الإجابة الشافية بل لاحظنا اختلاط معانيها وتشابهها .
ذكر ذلك صاحب القاموس فقال: "فالصابور أو المركي أو الكمي هم اسناد للرجال الذين يخوضون القتال فإذا انكسر المقاتلون أو احتاجوا للمساعدة يهجم الصابور الذي على مرأى من المعركة فالأسماء الثلاثة في مفهوم واحد وهو الإسناد بقول الشاعر:

وإن درهم الصابور ما من تصافيح=منا ومنكم يرملن الحلايل


وقال منديل الفهيد " كما أنهم يجعلون منهم ناساً يسمونهم الكمي وأحد ٍ يسميهم الصابور تزينهم خيل ربعهم يحمونها ".
ورغم ذلك فسنعمد إلى محاولة شرح معنى كل من المصطلحات الثلاثة على ضوء ما تحقق لدينا من أقوال الباحثين وأشعار المتقدمين:
أولاً: (الصابور):
ويظهر من خلال شعرهم أنه من التكتيكات العسكرية المهمة لحماية الفرسان وإثخان الأعداء كما يعد الإقدام عليه شجاعة لا تضاهى جاء في مادة صبر في المعجم: صبره عنه يصبره: حبسه وصبر الإنسان وغيره على القتل أن يحبس ويرمى حتى يموت والصبر نقيض الجزع والصبير الكفيل ومقدم القوم في أمورهم .
ذكر الأمير محمد الأحمد السديري في أبطال من الصحراء أن الصابور هو الطابور وزناً ومعنى ولكنه لم يوضح نوعية هذا الطابور ومما يتكون ؟
قال الشاعر:

فيلا اعتلينا فوق كور مسرجات=ندوس بها الطابور ونجبرها جبر


وقال الشرابي:

أركض على الصابور لعيون فرجة=لاهاب عشيق البنات الندوع


فنرى الشاعرين يستخدمان لفظتي الطابور والصابور بنفس المفهوم تقريباً وهو ما يؤيد كلام السديري .
وقال منديل الفهيد الصابور: هل البندق يجعلونهم جميع إذا غارت الخيل وطردت يزبنون عليهم يفكونهم من الطراد .
وأقول يؤيد ذلك قول ماضي الهاجري:

أبغي إلا ماجن من الحزم جماح=لاهي على الصابور ترخي شنقها


وقال منديل في تعليقه على بيت زيد بن غيام:

أما غدا بالبوش والكيف له زان=وإلا عن الصابور يرجح يميني


"وحط كمين وهو الصابور تزبنه الخيل وهم أهل السلاح الناري يفكون خيل المغار من خيل الفزعة وأخذ الدبش وحصلت المعركة وردوهم عن الصابور بالقوة" .
وقال منديل "الصابور يجعلونه أهل السلاح جميع وإلى ضيقوا الأعداء يزبنون الصابور أهل السلاح يرمون عنهم الاعداء".
وذكر موزل معنى الصابور فقال: " أنه أي الصابور هم الركب الذين يصدون أثناء الغارة هجوم أرباب القطعان المستولى عليها" وهو قريب من كلام الفهيد السابق إلا أنه لم يوضح ذلك بصورة دقيقة .
"ذكر ابن عقيل نقلا عن موزل أن الصابور يعني: أصحاب الجيش الذين يرافقون الرماة من أهل الخيل (وهذا مخالف لترجمة الدكتور السديس) قال أبو عبدالرحمن: لعل وجه التسمية أن أصحاب الجيش يحتاط بهم الرماة في أهل الخير لمصابرة العدو أي أن الرماة أنفسهم يصابرون العدو بالرمي محتاطين بأهل الجيش وفي أمثالهم (جنوب البل حراب) لأن المعارك عندها عادة وقال مريبد العدواني:

قامت جنوب البل وسلت حرابه=قالوا جنبها عاشقين الطماميح


وقال دهام بن قعيشيش:

خيل السيافا شرقت=ما ودعت صابورها

فهذا البيت دليل على أن الصابور هو الطابور من الفرسان أصحاب الجيش المرافق للخيالة .

وقال الشرابي:

أركض على الصابور لعيون فرجة=لاهاب عشيق البنات الندوع


من خلال استعراضنا السابق لأقوال الباحثين يتأكد لدينا معنى الصابور وهو عبارة عن طابور من الرماة الذين يصطفون في مواجهة ميدان المعركة ومهمتهم حماية الخيل عند الفر بعد الكر ويكونون في الخلف كامنين في متارسهم على أرض المعركة بنهاية ساحة الطراد . ويؤيد ما قلناه من أن سلاحهم هو البنادق قول الشاعر:

تركض على راع التفق ثابت الحال=ومولع ضوه على القحص مالي


ولذا عدوا الإقدام على صفوف الأعداء ومطاردة فرسانهم مع وجود هذا الصابور شجاعة لا تضاهى لأنه أشبه بالإنتحار يقول محمد بن هندي:

عاداتنا نركض على الصابور=والعمر تدبيره على واليه


وليس مهمة الصابور ما سبق ذكره فحسب بل أنهم إذا ما رأوا الأمور تسير لصالحهم فإنهم يتحركون باتجاه الأعداء تدعيماً لسيطرة فرسانهم قال ساجر الرفدي في وصف ذلك:

صابورنا ياطا على حوض الادراك=وخيل ٍ مكامين ٍ وخيل ٍ مغيرة


ويقول ساجر الرفدي أيضاً وقد استخدمه كناية عن الحرب:

إن درهم الصابور ما من تصافيح=منا ومنكم يرملن الحلايل

ويقول راشد بن عمر الأسعدي:

من ضرب شيخ ٍ يتبع الخيل صابور=يلحق على نبط العجاج المقافي

ويقول النوري بن شعلان:

وإن درهم الصابور ما من تصاديد=كم حاكم خلوا عظامه تلاف


ولو رجعنا إلى معنى كلمة (درهم) لوجدنا أن الدرهام نوع من أنواع مشي الإبل وهو أقصى سرعة للبعير قبل - الحضن وهو القفز - حيث أن البعير في الدرهام يمد خطواته بأقصى مداها بتتابع مستمر وبأسرع ما يمكنه من هذه الحركة وتشاهد عنقه وهامته تتابع حركتها بصورة سريعة ومتواصلة .
وهذا يؤكد أن الصابور يتكون من أصحاب (الجيش) أي من يركبون الإبل فالفارس أو الخيّال لا يكون له مكاناً في الصابور بل سيكون مع إحدى الطائفتين الآخريين التي تحدث عنها شاعرهم حين قال (وخيل مكامين وخيل مغيرة) ونرجح أن الإبل هي متاريس الصابور وقد يتغلبون على أعدائهم حتى يصلوا إلى صابورهم فيأخذونهم قتلاً ومنعاً يقول ساجر الرفدي في ذلك:

هذي عوايد مدبة كل صابور=قول على فعل وكاد يشافي


ثانياً: (الكمي):
جاء في المعجم: كمي شهادته كرمى: كمتها و كمى نفسه: سترها بالدرع والبيضة وكمي كغني الشجاع أو لابس السلاح وأكمى قتل كمي العسكر وستر منزله عن العيون .
ويكمي بلهجة البادية معناها يخفيويقول عجران بن شرفي:

علي من علم لفاني ملامي=يا ضيقة بالصدر مانيب كاميك


إذن المعنى اللغوي واحد تقريبا يدور حول الإخفاء والستر والحقيقة أن اصطلاح الكمي بالمفهوم الحربي يدور حول هذا المعنى ويعتمد عليه فهو يطلق على عدد معين من المقاتلين كلفوا بالإختفاء إما ككمين على طريق الأعداء أو كمساندة ودعم للمقاتلين الآخرين عند الحاجة وقد يكونون من الفرسان أو غيرهم بعكس الصابور يقول شالح بن هدلان في أخيه الفديع:

ما قط يوم شد بين الفراريع=ياكود ما بين الكمي والمشاري


ويقول راكان بن حثلين:

وحال الكمي من دون عطرات الأجهال=ومروا ولحقوا مقحمين الدبيلة


وأورد اليوسف قصة جرت على حمود العرادي وأخيه حينما أغير عليهم فقال لأخيه: إختر أن تكون الكمين و المغير لأن المغيرين عادة يكونون قسمين قسم ينهب الحلال ويشردون به والقسم الثاني الذين معهم السلاح يحمولهم ويصيرون في وجه أهل الدواب ويردونهم عنهم وهم شركاء بما يكسبون وقال أخوه عوض: القوم كثيرون وليسوا أغناما أردهم عليك لكن نقابلهم ونحن إثنان ولا نظن لنا معهم قتال قال: أنا سوف أستقبل المغيرين وأنت كن وجه الكمي .
يقول الشاعر:

يرجى لفزعتنا إلى جاء كميننا=بدم الفرنج اللي وساع قرورها


وقال العواجي ابن عقاب:

لابد من يوم يزرفل كميه=وكل يحسب مربحه والمخاسير


وقال راكان بن حثلين:

لابد من جمع يزرطل كميه=جموعنا تاطا الغبا والبياني


ولو رجعنا إلى معنى كلمة ( يزرفل ) عندهم سنجدها نوعاً من أنواع مشي الإبل وهي حركة ترتكز على القوائم الخلفية في سرعة حركتها ومقاربتها لبعضها وهي شبيهة بالدرهام ولكنها أقل منه ووقع القوائم على الأرض أخف مما يؤكد أن الكمي ربما كان من أصحاب (الجيش) أيضاً .
وقد يأتي مصطلح الكمي بمعنى الصابور كما ذكر منديل الفهيد (ولعل ذلك لإختفائهم) يقول الشاعر محمد النجدي يصف أحد المعارك:

عن الكمي ما صددوهن بالأرسان=يروون عطشان الفتا بالنحانيح


وقد يطلق مصطلح الكمي أيضا على مجموعة القائد التي ذكرنا أنهم يكونون في موطن يمكنهم من أن يشرفوا على العدو ويعطوا الأوامر للمتحاربين ويسددوا الثغرات ويدعموا الجيش بالتوجيهات ويلحظوا مواطن الضعف في العدو ويكتشفوا خدع العدو ويبث العيون لتحسس قوى العدو حتى إذا آنس منه ضعفا هجم عليه ويدل على ذلك قول سويلم بن عيسان:

قالوا عليهم واقهروا كل عراف=هذا الكمي ينحون عنه الأهاوي
ولحقوا فزع بدو ٍ يوالون الأطراف=يبون فك أدباشهم بالمحاوي


أعتقد أن للبيئة دوراً في إطلاق المصطلحات فيختلف المسمى والمفهوم من مكان إلى مكان ولكن على أية حال مصطلح الكمي يطلق بصفة عامة فيشمل الصابور وغيره ويطلق بصفة خاصة على ما خفي من الجيش سواء خيل أو غيرها وكل صابور كمي وليس كل كمي صابور والكمين بالمفهوم العسكري الحديث هو الكمي بمفهوم أبناء الصحراء .

ثالثاً: (المركي):
جاء في المعجم: في مادة ركو : أركى الحمل على البعير: ضاعفه وأركى إليه: لجأ وأركى لهم جنداً هيأهم والمراكي والمرتكي الدائم الثابت وأنا مرتك عليه: معوّل وماله مرتكى إلا عليك: معتمد
إذن من خلال كلام شليويح ربما يكون المركي هو مجموع القوة كاملة رجالاً وجيشاً وخيلاً أو هو الجمع بما فيه وقائد هذا الجمع يرتب ويوزع الجمع ويحدد مهماته فمنهم الخيل المغيرة والخيل الكامنة والصابور والكمي والحراس والسبور وما شابهه ويؤكد ذلك أيضاً قول بخيت:

مع سربة نمرا ومن شافنا صاح=ومعزّل مركينا أبو زبارا


قال الجنيدل معزّل ومركيها موزع قوتها ومهاما . أقول وربما جاء المركي بمعنى الكمي كما يرى ذلك بعض كبار السن وخاصة مجموعة القيادة التي يرتكى عليها عندما يشتد الموقف ويعظم الخطب وتضيق بالشجعان السبل .
ومن مصطلحات التكتيك أو الحيل التي يستخدمونها في المعارك الكبيرة عادة ما يسمى (بالمسيوق أو المسيوقة) قال صاحب القاموس: عندما تشتد المنافسة فإن كل قبيلة تسوق أمام جموعها المحاربة إحدى الإبل النضرة والتي تعود عادة لأصحاب المكانة وذلك لشيئين الأول الإحتماء بالإبل من خطر السلاح والثاني إثارة النخوة في صفوف المحاربين للدفاع عنها والإبل تسلق على سبيل الإجبار والمسيوق ربما يكون من الجانبين وربما يكون من جانب واحد لكنه حافز مشجع لكسب المعركة وكسب الإبل
ويقول زيد بن غيام:

ألا يا حلي مدرهمٍ بأول الماسوق=خزيرة عقيدٍ خضبوهن من الفوه


وقال محمد بن الدعية:

إن سيقت البل فالمساوق روسنا=نرخص عمار عند أهلها غالية


قال ابن عقيل: المسيوق إبل مربوطة تساق على العدو ويتقي بها المحارب .
ومعناه إن الإبل تتخذ درعاً واقياً ضد الرصاص وروى أحد المشاركين في معركة استعمل فيها المسيوق أن الخيالة والمشاة يكونون خلف المسيوق وفي تلك المعركة تكوّن من حوالي (40 ) ناقة بيضاء صخرية ولم يعد منها سوى( 7 ) نياق مجروحات .
أقول وهذه من خطط الحرب عند العرب قديماً نجدها في تاريخ أيام العرب فقد استخدمت الإبل بما يشابه طريقة (المسيوق) مثلاً في يوم شعب جبلة لبني عامر وعبس على ذبيات وتميم قبل بعثة محمد صلى الله عليه وسلم بأربعين سنة .
وأخيراً وبعد أن وضّحنا بعض المفاهيم والمصطلحات الحربية كان بودي لو قمت بشرح بعض من القصائد الطويلة التي تفصّل أحداث المعارك وتصوّرها تصويراً دقيقاً والكلام للمعد ( قاسم الرويس ) ولكني سأضع بين يدي القارئ في ختام هذا البحث أربعة أبيات للشاعر مريبد العدواني:

وتسعين ربعي ماسعوا بالتفاريق=هذا ولد عم والآخر شقيقي
أهل الرماح يساعدون التفافيق=ومقلدين أرماحهم ريش هيقي
نسمع لعطشان الثلاثي تراشيق=إن حدّهم ريع الفضا مع مضيقي
وخيل تناحي الخيل في حزة الضيق=لما نسوي للعشاير طريقي

 







توقيع :

[frame="6 70"]أمة لاتعرف تاريخها .. لاتحسن صياغة مستقبلها[/frame]

[align=center][/align]


[align=center]

[/align]
  رد مع اقتباس